فخر الدين الرازي
232
الأربعين في أصول الدين
التوبة - على قول الخصم - لأن عذابهما قبيح . فبقى أن رحمته انما تظهر بالنسبة إلى صاحب الكبيرة قبل التوبة . وهو المطلوب . فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : ان رحمته انما تظهر لأن الخلق والتكليف والتزريق كلها تفضل ورحمة ، أو لأجل أنه تعالى يخفف عن عقاب صاحب الكبيرة ؟ قلنا : أما الأول فهو يفيد كونه رحيما في الدنيا ، فأين رحمته في الآخرة : مع أن الأمة مجمعة على أن رحمته في الآخرة أعظم من رحمته في الدنيا . وأما الثاني : فعند المعتزلة التخفيف عن العذاب المستحق غير جائز . وأيضا : هذا إشارة إلى تفسير الرحمة بترك الزيادة في التعذيب ولو كان الأمر كذلك لكان أكثر الناس تعذيبا للخلق ، وايصالا للبلاء إليهم ، رحيما بهم ، حيث ترك الزيادة على ذلك القدر ، ومن المعلوم أنه باطل . الحجة الرابعة : قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » ( النساء 116 ) ووجه الاستدلال به : ان قوله تعالى : « لِمَنْ يَشاءُ » لا يجوز أن يتناول صاحب الصغيرة ، ولا صاحب الكبيرة بعد التوبة . فوجب أن يكون المراد منه : حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة . انما قلنا : انه لا يجوز حمله على صاحب الصغيرة ، ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة ، لوجوه : أحدها : ان قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ » معناه : انه تعالى لا يغفره تفضلا . لأنا أجمعنا على أنه يغفر استحقاقا . فإنه إذا تاب عن كفره ، وآمن . فإنه تعالى يغفر له . وإذا كان قوله :